محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
109
شرح الكافية الشافية
أن أفعال الظن قد تحمل على أفعال العلم فتقع بعدها " أن " المخففة من " أنّ " . ونبهت على قلة ذلك بقولي : . . . استجز . . . * . . . . . . . . ومن أجل قلته اتفق على النصب في قوله - تعالى - : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 2 ] . واختلف في " 1 " : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [ المائدة : 71 ] :
--> ( 1 ) قرأ البصري والأخوان برفع النون ، والباقون بنصبها : فمن رفع ف " أن " عنده مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف تقديره : أنه ، و " لا " نافية ، و " تكون " تامة ، و " فتنة " فاعلها ، والجملة خبر " أن " ، وهي مفسّرة لضمير الأمر والشأن ، وعلى هذا ف " حسب " هنا لليقين لا للشكّ ، ومن مجيئها لليقين قول الشاعر : حسبت التّقى والجود خير تجارة * رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا أي : تيقّنت ؛ لأنه لا يليق الشكّ بذلك ، وإنما اضطررنا إلى جعلها في الآية الكريمة بمعنى اليقين لأنّ " أن " المخففة لا تقع إلا بعد يقين ، فأمّا قوله : أرجو وآمل أن تدنو مودّتها * وما إخال لدينا منك تنويل فظاهره : أنها مخففة لعدم إعمالها ، وقد وقعت بعد " أرجو " و " آمل " وليسا بيقين ، والجواب من وجهين : أحدهما : أنّ " أن " ناصبة ، وإنما أهملت حملا على " ما " المصدرية ، ويدلّ على ذلك أنها لو كانت مخففة لفصل بينها وبين الجملة الفعلية بما سنذكره ، ويكون هذا مثل قول اللّه تعالى : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ، وكقوله : يا صاحبىّ فدت نفسي نفوسكما * وحيثما كنتما لقّيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خفّ محملها * تستوجبا نعمة عندي بها ويدا أن تقرآن على أسماء ويحكما * منّى السّلام وألّا تشعرا أحدا فقوله : " أن تقرآن " بدل من " حاجة " وقد أهمل " أن " ، ومثله قوله : إنّى زعيم يا نوي * قة إن نجوت من الرّزاح ونجوت من وصب العدوّ * ومن الغدوّ إلى الرّواح أن تهبطين بلاد قو * م يرتعون من الطّلاح وكيفما قدّر فيما ذكرته من الأبيات يلزم أحد شذوذين قد قيل باحتمال كل منهما : إمّا إهمال " أن " ، وإمّا وقوع المخففة بعد غير علم ، وعدم الفصل بينها وبين الجملة الفعلية . والثاني من وجهي الجواب : أنّ رجاءه وأمله قويان حتى قربا من اليقين فأجراهما مجراه في ذلك . وأما قول الشاعر : علموا أن يؤمّلون فجادوا * قبل أن يسألوا بأعظم سؤل -